الجاحظ

205

المحاسن والأضداد

أمثال في التزويج قيل : أن أول من قال : « لا هنك أنقيت ، ولا ماءك أبقيت » ، الضبّ بن أروى الكلاعي ، وذاك أنه خرج من أرضه ، فلما سار أياما ، حار في تلك المفاوز التي تعسّفها ، وتخلّف عن أصحابه ، وبقي فردا يعسف فيها ثلاثة أيام ، حتى دفع إلى قوم لا يدري من هم . فنزل عليهم ، وحدثهم ؛ وكان جميلا ، وإن امرأة من أفاضل أولئك ، هويته ، فأرسلت إليه إن أخطبني ، فخطبها ، وكانوا لا يزوّجون إلّا شاعرا أو رجلا يزجر الطير أو يعرف عيون الماء ، فسألوه ، فلم يحسن شيئا من ذلك ، فلم يزوجوه ؛ فلما رأت المرأة ذلك ، زوجته نفسها على كره من قومها ؛ فلبث فيهم ما لبث ؛ ثم أن رجلا من العرب أغار عليهم في خيل ، فاستأصلهم ، فتطيّروا بضبّ ، وأخرجوه وامرأته ، وهي طامث ؛ فانطلقا ، واحتمل ضبّ شيئا من ماء ، ومشيا يوم أو ليلة إلى الغد ، حتى اشتدّ الحر ، وأصابهما عطش شديد ، فقالت له : « ادفع إليّ السقاء حتى اغتسل به ، فإنا ننتهي إلى الماء ، ونستقي . فاغتسلت بما في السقاء ، ولم يقع منها موقعا ، وأتيا العين ، فوجداها ناضبة ، وأدركهما العطش ، فقال ضبّ : « لا هنك أنقيت ولا ماءك أبقيت » ، فذهبت مثلا . ثم استظلا تحت شجرة كبيرة ، فأنشأ ضبّ يقول : تا للّه ما ظلّة أصاب بها * سواد قلبي قارع العطب ظلّ كئيب الفؤاد مضطربا * وتكتسي من غدائر قلب أن يعرف الماء تحت صمّ صفا * أو يخبر النّاس منطق الخطب أخرجني قومها بأنّ رحى * دارت بشؤم لهم على قطب